السيد كمال الحيدري

397

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

حتى الجمال والعطر والبهاء كظواهر طبيعية نجد أنها تتواجد في المواطن التي يتوافق تواجدها فيها مع مهمّة تيسير الحياة ويؤدّي دوراً في ذلك . فالأزهار التي ترك تلقيحها للحشرات لوحظ أنها قد زوّدت بعناصر الجمال والجذب من اللون الزاهي والعطر المغري بنحو يتّفق مع جذب الحشرة إلى الزهرة وتيسير عملية التلقيح ، بينما لا تتميّز الأزهار التي يحمل الهواء لقاحها عادة بعناصر الإغراء . وظاهرة الزوجية على العموم والتطابق والتكامل بين التركيب الفسلجي للذكر والتركيب الفسلجي لأنثاه في الإنسان وأقسام الحيوان والنبات على النحو الذي يضمن التفاعل واستمرار الحياة ، مظهر كونيّ آخر للتوافق بين الطبيعة ومهمّة تسيير الحياة وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . ( النحل : 18 ) . الخطوة الثانية : نجد أنّ هذا التوافق المستمرّ بين الظاهرة الطبيعية ومهمّة ضمان الحياة وتيسيرها في ملايين الحالات يمكن أن يفسّر في جميع هذه المواقع بفرضية واحدة وهي أن نفترض صانعاً حكيماً لهذا الكون قد استهدف أن يوفّر في هذه الأرض عناصر الحياة ويُيسّر مهمّتها ، فإن هذه الفرضية تستبطن كلّ هذه التوافقات . الخطوة الثالثة : نتساءل إذا لم تكن فرضية الصانع الحكيم ثابتة في الواقع فما هو مدى احتمال أن تتواجد كلّ تلك التوافقات بين الظواهر الطبيعية ومهمّة تيسير الحياة دون أن يكون هناك هدف مقصود ؟ ومن الواضح أن احتمال ذلك يعني افتراض مجموعة هائلة من الصُدَف ، وإذا كان احتمال أن تكون الرسالة المُبْرَدة إليك في مثال سابق من شخص آخر غير أخيك ولكنّه يشابهه في كلّ الصفات ، بعيداً جداً ؛ لأنّ افتراض